
سودانير.. و«السماوات المفتوحة »
عثمان ميرغني
من الحكمة أن تتحول «سودانير» إلى شركة طيران داخلي فقط.
سوق السفر الداخلي يمكن أن تحظى فيه بميزة نسبية كبيرة في المنافسة. لكن بشرط اعلان سياسة (السماوات المفتوحة).
احتفت الخطوط الجوية السودانية «سودانير» أمس الأول بعودة طائرتها الوحيدة من رحلة علاج في الهند استغرقت بضعة أشهر. ولو جاءت العودة على استحياء، وحطّت في المطار على رؤوس أصابع قدميها، فربما كان يمكن رؤية شمعة صغيرة في آخر النفق الذي دخلته «سودانير» منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، حين بدأ غروب «الشمس المشرقة»، حتى أطلقت عليها «الإنقاذ» رصاصة الرحمة بأسوأ قرار اتخذته الدولة السودانية عندما باعتها لمجموعة «عارف»، التي أعادتها إلينا «جثة مجهولة الهوية» – كما كان عنوان التحقيق الصحفي الذي أجريته عنها عام 2013.
الاحتفاء بهذا الحدث يعني الرضا بالحال، وغياب أي رؤية لأفق في المستقبل المنظور. ورغم أن هذا الواقع لا يختلف كثيراً عن حال كثير من مؤسسات الدولة التي سادت ثم بادت، فإن لـ«سودانير» وقعاً أكثر مرارة، لأنها كانت في الماضي عنوان نجاح يجوب سماوات ومطارات العالم، بل كانت شعوب بعض الدول تعتمد عليها في ترحالها ذهاباً وإياباً إلى الحج.
وفي جوارنا الإقليمي قصص نجاح كبيرة: الخطوط الإثيوبية التي تقريباً في عمر «سودانير»، والخطوط المصرية، والكينية، والسعودية، والإماراتية، والقطرية… على سبيل المثال لا الحصر.
ما الذي أزرى بـ«سودانير» الرياح بعد أن كانت في قمة النجاح؟
الكلمة المفتاحية هي: إدارة الوطن، وليس مجرد إدارة شركة خطوط جوية. ظلت «سودانير» دائماً معمل تجارب لعهود سياسية أدمنت الفشل في منهج تفكيرها وفي طريقة إدارتها للبلاد.
ومع ذلك.. دعونا ننظر إلى المستقبل بدلاً من البكاء على اللبن المسكوب.
الغاية الحقيقية من شركات الطيران ليست مجرد حمل شعار الدولة وترفيع صورتها الذهنية، بل تحقيق مصالح اقتصادية للوطن والشعب. وهذه المصالح لا تأتي فقط من بيع التذاكر أو نقل أطنان البضائع، بل من ما تحققه للاقتصاد الكلي للدولة.
في حالة الخطوط الإثيوبية – مثلاً – حققت في السنة المالية 2024/2025 إيرادات بلغت حوالي 7.6 مليار دولار، مع أرباح صافية جيدة جداً. وهذه الحصيلة نتيجة قصة نجاح ممتدة لأكثر من 80 عاماً منذ تأسيسها، وعلى مر العهود المتعاقبة التي حكمت إثيوبيا، لكن يد السياسة لم تمتد لتعبث بهذا الكنز الوطني.
لن يكون حكيماً أن ننتظر عقوداً حتى تحقق «سودانير» أرباحاً تليق بعمرها وتاريخها الذهبي. لكن – بالنظر إلى الملعب الأفضل الذي يمكن أن تعظم فيه عائداتها – أرى أن الخيار الأكثر حكمة هو أن تتحول «سودانير» إلى شركة طيران داخلي فقط.
سوق السفر الداخلي يمكن أن تحظى فيه بميزة نسبية كبيرة في المنافسة. لكن هذا ليس السبب الوحيد.. الهدف الأعلى هو الارتقاء بالنقل الداخلي (ركاب وبضائع) بين مدن السودان إلى أعلى درجة ممكنة.
إحدى أكبر معضلات السودان التي تقلل قدرة البلاد على استنفار خيراتها ومواردها هي ضعف التواصل والاتصال بين أنحاء السودان المترامية الأطراف. كلما توفرت سبل النقل (براً وجواً ونهراً) بين أجزاء البلاد، زادت قدرة السودان على تعظيم الاستثمار، وارتفعت أوضاع الولايات البعيدة، وخَفَّت – أو أُخْمِدَت – شكاوى التهميش والتظلم.
ولتحقيق أفضل النتائج يجب إعلان سياسة «السماوات المفتوحة» في السودان، أي: فتح سماء السودان للخطوط الجوية الأجنبية (وفق اتفاقيات ثنائية) لتعمل بحرية حسب الطلب السوقي في نقل الركاب والبضائع، مع السماح بالطيران المباشر أو بالتوقف، وحرية تحديد الأسعار وعدد الرحلات وسعتها.
تحويل «سودانير» إلى شركة طيران داخلي فقط + توقيع اتفاقيات «السماوات المفتوحة» يعني التعويل على عائدات الاستثمار والانفتاح والسياحة أكثر بكثير من العائد المباشر لمقاعد طائرات «سودانير».
ما رأي خبراء الطيران والاقتصاد؟
#حديث_المدينة الأحد 25 يناير 2026







