مقالات

عثمان ميرغني يكتب : إغلاق أنبوب التعليم

خرطوم سبورت

 

إغلاق أنبوب التعليم

عثمان ميرغني

أربع دفعات دراسية في مرحلة التعليم العام تراكمت منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، وأكثر من ذلك في مؤسسات التعليم العالي الجامعي وما فوقها. وفي تقرير لمنظمة اليونيسف، أشارت المنظمة إلى أن حوالي 17 مليونًا من التلاميذ والطلاب باتوا متأخرين عن أقرانهم الذين توفرت لهم فرص الاستمرار دون انقطاع، لأن أسرهم قادرة على تحمل تكاليف الدراسة خارج السودان أو في بعض المدن التي لم تتأثر مباشرة بالعمليات الحربية.
من الواضح أن حجم هذه المشكلة وتأثيرها كبير للغاية، ويضرب في مقتل أجيال كاملة من بناتنا وأولادنا، عماد مستقبل بلادنا. لكن المثير للدهشة أن الوعي والاهتمام بها يكاد يكون غائبًا، على الأقل في الخطاب العام للدولة.
ولنضرب مثالًا عمليًا:
عندما توغلت قوات الدعم السريع في حقول «هجليج» النفطية، كانت هناك مخاوف كبيرة من توقف الإنتاج وضخ النفط في أنابيب الصادر التي تنقل النفط من الحقول إلى موانئ التصدير على ساحل البحر الأحمر. النفط السائل كان سيتراكم داخل الأنبوب مما يؤدي إلى انسداده بدرجة قد تؤدي إلى إغلاقه كليًا وربما تدميره، فتفقد البلاد الأنبوب الذي كلف مليارات الدولارات، ويتوقف ضخ النفط للتصدير.
هنا تحركت الحكومة بمنتهى الكفاءة، وتفاهمت مع دولة جنوب السودان بصورة أصيلة عن نفسها ونيابة عن الطرف الآخر، لتصل إلى اتفاق عملي يسمح باستمرار العمل في الحقول النفطية مع تسليم جيش دفاع جنوب السودان مهمة حراستها، وتحييد قوات الدعم السريع.
ولا يستطيع عاقل أن يتصور أن مثل هذا التفاهم جاء مجانًا لوجه الله.
وفعلاً، عادت الحقول للعمل وضخ النفط، ويستمر العمل حاليًا بصورة منتظمة وسلسة نتيجة هذا التفاهم الثلاثي.
وهذا يعني عمليًا إنقاذ أنبوب النفط من مصير قاتم لو توقف الضخ.
ضخ النفط في أنبوب الصادر أشبه بالعملية التعليمية التي تضخ ملايين التلاميذ في مسار تعليمي «أنبوب نفط» حتى يبلغوا منتهاه في الجامعة «ميناء التصدير». وبالضرورة، تكدس الدفعات في أنبوب التعليم يعني تعطيله، مما يوقفه ويؤدي إلى تحويل أجيال كاملة إلى فاقد تربوي.
هنا يقفز السؤال: لماذا لا تقلق الحكومة؟ القلق النبيل الذي يفضي إلى وضع المشكلة في صدارة الأجندة الوطنية والاجتهاد في البحث عن حل؟
بل، لماذا لا يظهر في الخطاب العام للحكومة أنها مهتمة بالتعامل مع هذه المشكلة وحصرها وحلها بأسرع ما يمكن، إنقاذًا لأجيال شبابية؟
من الواضح أن هناك خللاً كبيرًا في قوام الدولة.
وبهذه الطريقة، لن تكون الحرب إلا رأس جبل الجليد للتحدي الذي يجب أن يقف الشعب السوداني في وجهه.

#حديث_المدينة الاثنين 26 يناير 2026

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى