
عزومة مراكبية
عثمان ميرغني
أفادت منظمة الهجرة الدولية (IOM) بأن حوالي 1.4 مليون سوداني عادوا إلى ولاية الخرطوم حتى نهاية عام 2025. أما وزير الثقافة والإعلام الأستاذ خالد الأعيسر، فقد ذكر أن عدد العائدين إلى الخرطوم يتجاوز 3 ملايين شخص. ووفقاً للبيانات المتاحة، يشكل النازحون داخلياً 83% من العائدين، مقابل 17% من اللاجئين في الخارج.
تجتهد الحكومة في دعوة المواطنين للعودة إلى ولاية الخرطوم، معتبرة أن وجودهم يساعد في استعادة الأوضاع الطبيعية وإعادة إحياء الأحياء التي تحولت إلى أطلال طوال سنوات الحرب.
لكن في تقديري، إن دعوة الحكومة للعودة تبقى “دعوة مراكبية” (أي دعوة غير واقعية أو غير مدعومة بما يكفي من الإجراءات الفعلية).
من الحكمة أن نتفق على أن قرار عودة أي مواطن إلى بيته في الخرطوم أو في أي ولاية أخرى هو قرار شخصي يعتمد على حيثيات فردية ترتبط بعدة عوامل محورية تتعلق بالأوضاع الأسرية والمالية والاجتماعية. ومهما اجتهدت الحكومة في بث الدعاية الإعلامية لإقناع المواطنين، فإن قرار العودة لا يصدر إلا من تقدير المواطن نفسه لظروفه الخاصة.
العوامل التي تؤثر في قرار العودة الشخصي لكل مواطن هي:
أولاً: الوضع الأمني العام والخاص. والحمد لله، الوضع الأمني العام مطمئن تماماً بعد أن استعاد الجيش غالبية المناطق التي انتشرت فيها قوات التمرد، ولم يبقَ إلا بعض المناطق في كردفان ودارفور، وقريباً تعود إلى حضن الوطن بإذن الله.
أما الوضع الأمني الخاص (اليومي والمحلي)، فلا يزال يحتاج إلى مزيد من الجهد من وزارة الداخلية وقوات الشرطة لتعزيز أسوار الأمان بما يستعيد الطمأنينة للجميع. وفي كل الأحوال، يتحسن الأمن يومياً وبصورة مستمرة .
ثانياً: الأوضاع الاقتصادية المرتبطة بتوفر العمل والقدرة على كسب الرزق. لا تزال الكثير من الأعمال متوقفة، إما بسبب الدمار الهائل الذي أصاب البنى التحتية، أو بسبب السياسات الحكومية التي بدلاً من تشجيع الأعمال، باتت تطاردها بالمطالبات المالية تحت مسميات شتى. وأصبح فتح أي عمل أقرب إلى المخاطرة المجهولة العواقب.
ثالثاً: استعادة الخدمات الأساسية من كهرباء وماء ومستشفيات ومؤسسات تعليم وأسواق وغيرها. وللأسف، يسير كل هذا بخطى بطيئة رغم ضجيج كاميرات الإعلام التي تجتهد في تضخيم إنجازات صغيرة.
من الحكمة أن تدرك الحكومة أنه بدلاً من تكرار دعوات العودة، الأجدر بها أن تجتهد في التعامل المباشر مع هذه العوامل الثلاثة وفق خطة استراتيجية واضحة وخطط تنفيذية معلومة للجميع.
قرأت خبراً عن تسليم ولاية الخرطوم الدكتور كامل إدريس خطة استراتيجية خمسية وقد اجتهدت في البحث عنها حتى الآن دون جدوى. فكيف بالمواطن العادي الذي قرأ الخبر ذاته ولا يعلم شيئاً عن هذه الخطة؟ علماً بأن أول متطلبات نجاح أي خطة هو الدعم الجماهيري والسند الشعبي. كيف للشعب أن يدعم خطة سرية.. إن وجدت؟
بدلاً من إضاعة الجهد في ترديد شعارات العودة، الأفضل أن تعاجل الحكومة مطلوبات العودة الحقيقية.
#حديث_المدينة الخميس 29 يناير 2026







