
الإخضاع وذاكرةالدم.. من يحكم إقليماً مثقلاً بالثأر؟
رشان اوشي
الهجوم على “مستريحة”،مركز نظارة المحاميد، وتصفية نجل الشيخ “موسى هلال”، ومحاولة اغتياله وأسرته، وما أعقب ذلك من نزوح للمدنيين واعتداءات طالت النساء والأطفال؛ دفع بإقليم دارفور خطوات إضافية نحو قطيعة اجتماعية عميقة يصعب ترميمها في المدى القريب.
إن التنكيل بالمحاميد يمثل تحول في طبيعة العلاقة بين قيادة مليشيا “الدعم السريع” وحواضن اجتماعية كانت،حتى وقت قريب، تحسب ضمن المنطقة الرمادية بين الخصومة والحياد.
بهذا المعنى، يمكن القول إن “آل دقلو” قد قطعوا آخر خيط اجتماعي كان يربطهم بمكونات دارفور. فالمحاميد، بوصفهم إحدى العشائر العربية المؤثرة في الإقليم، يشكلون جزء مهم من حلقة توازن معقدة حكمت دارفور منذ سنوات الحرب الأولى. إذا استهداف مركز النظارة لا يطال شخص الشيخ “موسى هلال” فحسب، بل يمس بنية الزعامة التقليدية، ويعد تعدي خطير على نظام اجتماعي موروث ومقدس.
وإلى جانب المجازر التي طالت مكونات أصيلة في النسيج الدارفوري، مثل الفور والمساليت والزغاوة، يتراكم سجل مثقل بالانتهاكات، تتصاعد معه مشاعر الثأر وتتراجع فرص التعايش، ليصبح الحديث عن حكم دارفور أقرب إلى كابوس مزعج ومشروع يفتقر إلى القبول والشرعية الاجتماعية.
المشاهد التي رافقت نزوح سكان “مستريحة” ، من نظرات الأسى في عيون أبناء الشيخ “موسى هلال” إلى نحيب النساء على طرقات الخروج، تعكس اتساع الشرخ داخل البيت “العطاوي” نفسه، ناهيك عن بقية المكونات السكانية في الإقليم.
يراهن “آل دقلو” على التغيير الديمغرافي وإعادة تشكيل الخريطة السكانية عبر الإخضاع أو التهجير، و لذلك محاولة إفراغ الأرض من أصحابها وإعادة هندسة المجتمع بالقوة، ستطال حتى أبناء العمومة من المجموعات العربية المتحالفة حالياً مع الدعم السريع.
وخير شاهد على ذلك آلاف من شباب” المسيرية” الذين انخرطوا في صفوف المليشيا، فدفعوا أثمان باهظة، من انعدام الرعاية والعلاج والحقوق. ولا يختلف الحال كثيراً لدى بعض أبناء البني هلبة والتعايشة والسلامات والفلاتة.
حتى التحالفات الإقليمية ل”آل دقلو” عرضة للاهتزاز. فالعلاقة مع الرئيس التشادي “محمد ديبي” و المحكومة بتوازنات دقيقة داخل تشاد، حيثما تتقاطع الحسابات القبلية مع المصالح الإقليمية. هناك مؤشرات بائنة إلى محاولة “ابوظبي” ترتيب نفوذها داخل النظام التشادي،عبر تصعيد شخصيات بعينها من أبناء المجموعات العربية بدعم إماراتي، وهو ما سينعكس سلباً على التحالف مع “ال دقلو”، بسبب الضغوط الأسرية و القبلية التي يتعرض لها “ديبي”.
إذا.. يقف “آل دقلو” في دارفور أمام امتحان عسير، وهو سلطة السلاح في مواجهة ذاكرة اجتماعية مثقلة بالدم.
إذا كان إخضاع المدن والقرى ممكن عسكرياً، فإن حكم إقليم بتاريخ معقد وثارات مفتوحة يظل رهناً بمعجزة إلهية.
محبتي واحترامي








