
محمد سعيد الصحاف يكتب كردفان الكبرى: حين انكسرت أسطورة المليشيا وسقط وهم السيطرة
“”””””””””””””””””””””””
✍️ بقلم / محمد سعيد الصحاف
“””””””””””””””””””””””
لم تكن الهزائم الأخيرة التي تلقتها مليشيا الدعم السريع في كردفان الكبرى مجرد انتكاسات ميدانية عابرة، بل مثّلت تحولاً استراتيجياً عميقاً في مسار الحرب، وكشفت بوضوح حدود القوة التي روّجت لها المليشيا طويلاً عبر الإعلام والسلاح المنفلت. ففي هذا الإقليم الممتد بثقله الجغرافي والبشري، سقط رهان السيطرة السريعة، وتهاوى مشروع فرض الأمر الواقع بقوة النهب والترهيب.
منذ اندلاع الحرب، راهنت المليشيا على كردفان باعتبارها عمقاً حيوياً: طرق إمداد، مساحات مفتوحة للحركة، ومجتمعات يمكن إخضاعها بالقوة. غير أن الوقائع أثبتت أن كردفان ليست أرضاً رخوة، بل إقليماً ذا تركيبة اجتماعية صلبة، وذاكرة تاريخية لا تنسى من يقف مع الدولة ومن يعتدي على أهلها.
*من الهجوم إلى الانكفاء في الأشهر الأخيرة*
انتقلت مليشيا الدعم السريع من وضعية المبادرة والهجوم إلى حالة دفاع مرتبك، ثم إلى الانسحاب القسري من مواقع كانت تعتبرها نقاط ارتكاز. خسرت المليشيا مواقع مؤثرة، وتفككت بعض تشكيلاتها، وبدأت مظاهر الإنهاك تظهر بوضوح: تراجع القدرة على الإمداد، تصاعد الخلافات الداخلية، وتآكل الحاضنة المحلية بعد انكشاف ممارسات النهب والاعتداء على المدنيين.
هذه الهزائم لم تكن نتاج ضربة واحدة، بل نتيجة تراكم عمليات نوعية نفذها الجيش السوداني والقوات المساندة، اعتمدت على إنهاك المليشيا، قطع خطوط تحركها، وضرب مراكز ثقلها بدقة، ما أفقدها ميزة الحركة السريعة التي طالما تفاخرت بها.
*كردفان… معركة الوعي قبل السلاح*
الأهم من الخسائر العسكرية، هو أن المليشيا خسرت معركة الوعي في كردفان. فالمجتمعات المحلية التي حاولت المليشيا استمالتها بالقوة أو الابتزاز، أدركت سريعاً أن مشروع الدعم السريع لا يحمل أمناً ولا استقراراً، بل فوضى دائمة. ومع كل قرية نُهبت، وكل طريق قُطع، كانت المليشيا تحفر قبر نفوذها بيدها.
في المقابل، نجح الجيش في إعادة تقديم نفسه – رغم قسوة الحرب – كقوة تسعى لاستعادة الدولة، لا تدميرها، وهو فارق جوهري في صراع طويل النفس مثل الصراع السوداني.
*سقوط الرهان الإقليمي*
الهزائم في كردفان الكبرى حملت كذلك رسائل إقليمية. فقد كانت المليشيا تراهن على الاحتفاظ بالإقليم كنقطة ضغط ومساومة في أي تسوية سياسية قادمة. لكن تراجعها الميداني أفقدها أوراق تفاوض مهمة، وقلّص قدرتها على فرض شروطها، وأعاد تعريفها كقوة متمردة في موقع أضعف، لا كلاعب مهيمن كما كانت تدّعي.
ما بعد الهزيمة
صحيح أن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن المليشيا لا تزال تمتلك القدرة على إحداث الأذى، لكن ما جرى في كردفان الكبرى يؤكد حقيقة واحدة :
*الدعم السريع ليس قوة لا تُهزم، بل مليشيا يمكن كسرها حين تتوفر الإرادة والتخطيط والصبر.*
كردفان اليوم ليست فقط ساحة انتصار عسكري، بل نقطة كسر مفصلية في الحرب كلها. فمن يفقد كردفان، يفقد التوازن، ويفقد الطريق، ويفقد القدرة على الادعاء بأنه مشروع بديل للدولة.






