
و.. بورتسودان..؟؟؟
عثمان ميرغني
قبل أكثر من عشر سنوات، عندما أكملنا تصميم وتنفيذ وتشغيل نظام تسجيلات الأراضي في السلطة القضائية السودانية، وربطنا الغالبية العظمى من المكاتب في كل أنحاء السودان بالجهاز المركزي في مقر القضائية بالخرطوم، ثم أكملنا إدخال بيانات ووثائق زادت على مائة مليون، أصبح الهاجس الرئيسي هو توفير نسخة احتياطية من المعلومات في مكان آمن.
اقترحت القضائية مبنى المحاكم في «الامتداد» جوار المغتربين، لكونه بعيدًا عن موقع الجهاز المركزي بأكثر من 20 كيلومترًا تقريبًا.. لكنني كنت مصرًّا على أن يكون الجهاز الاحتياطي في مدينة بورتسودان، أبعد موقع متاح من العاصمة الخرطوم.
في الاجتماع دار نقاش طويل، وتساؤل: ما هي المخاطر التي يمكن أن تجعل وسط الخرطوم -حيث مقر رئاسة القضائية- في نفس درجة الخطر مع جنوب الخرطوم حيث الموقع المقترح لتخزين النسخ الاحتياطية؟ ورغم أنني لم أكن أتصور فعلًا أن يتمدد الخطر إلى هذين المكانين في وقت واحد، إلا أنني اتبعت فقط المعايير القياسية العلمية، وهي افتراض أن المدينة كلها تتساوى في درجة المخاطر.
تذكرت تلك المناسبة عندما اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023، ولأول مرة اتضح فعلًا أن الخرطوم -على اتساعها الجغرافي- تساوت فيها المخاطر، لدرجة أن الحكومة نفسها انتقلت إلى مدينة بورتسودان.
اليوم.. يترقب الجميع العودة إلى العاصمة الخرطوم بلهفة.. فذلك يعني استعادة الوطن لأوضاعه الطبيعية، واستمرار الدولة في مهامها من الموقع الدستوري المحدد.. لكن هناك سؤال يلحّ على خاطري: في ساعة العسرة لجأ السودان كله إلى بورتسودان واتخذها عاصمة سيادية وإدارية، واكتظت بالسكان والحركة التجارية، وأصبح مطارها الوحيد الذي يربط السودان بالخارج.
صحيح أن بورتسودان لم تكن جاهزة لاستيعاب كل هذه الأعداد من السكان المؤقتين، ولم يكن فيها من البنى التحتية ما يوفر إقامة سهلة ميسورة التكاليف، فارتفعت إيجارات العقارات بصورة جنونية، وفاضت الشوارع بالسيارات والحركة، ولم تكن مرافق الخدمات -مثل المستشفيات- قادرة إلا بشق الأنفس على تحمل الضغط الكبير عليها.
لكن مع ذلك صمدت بورتسودان وتحملت بجلد ونبل كبيرين دورها المحتوم، ولا تزال.. وقريبًا تعود مدينة هادئة بلا ضجيج، وتزدهر بمواسمها السياحية كما كانت قبل الحرب.
لكن يظل السؤال: طالما أن لمدينة بورتسودان مثل هذا الدور الكبير، كونها عاصمة بديلة عند الأزمات.. أليس من الحكمة أن تتبنى الدولة خطة استراتيجية تعتني بالأدوار المساندة للدولة عند الطلب، في بورتسودان وغيرها؟
الفكرة أكبر من مجرد عاصمة احتياطية أو بديلة.. فنحن لا نتوقع أن تتكرر هذه الحرب في تاريخنا، ولن نُلدَغ من الجحر مرتين.
لكن الفكرة تتعلق بتوسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل الأدوار الوظيفية للمدن السودانية: الدور الأساسي والأدوار الثانوية.
لتوضيح الفكرة، سأضرب مثالًا بمدينة عطبرة.. ثم أعود مرة أخرى إلى بورتسودان.
تاريخيًّا ظلت عطبرة عاصمة «الحديد والنار» كونها تستضيف الإدارات والقيادات والورش المركزية لسكك حديد السودان. وبافتراض استمرار هذا الدور الأساسي لمدينة عطبرة، بالإمكان أن نُسند إليها دورًا فرعيًّا في كونها المدينة الخلفية لموانئ البحر الأحمر، فتتحول إلى منطقة حرة كبرى تستقبل الواردات والصادرات من وإلى الموانئ البحرية والنهرية والبرية أيضًا.
أما مدينة بورتسودان فينتظرها دور قومي أكبر.. لتظل عاصمة رديفة.
في كتابي «السودان: الجمهورية الثانية» اقترحت استحداث مستوى فيدرالي إضافي، وهو «المقاطعة»، يجمع بين السمات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية.
من الممكن تحويل بورتسودان الكبرى إلى مقاطعة تتوفر لها خصائص إضافية تجعلها فعلًا عاصمة رديفة – لا بديلة فقط.
وفي الكتاب اقترحت أيضًا تحويل مشروع الجزيرة إلى «مقاطعة الجزيرة» لتمديد دوره الاقتصادي إلى أبعاد اجتماعية وإدارية لا تتقاطع مع الولاية أو المحليات.
من الحكمة أن توفر الدولة بيئة حاضنة للمعلومات «مراكز معلومات متطورة» في بورتسودان، تصبح مخزنًا احتياطيًّا لكل محاضن المعلومات في مدن السودان المختلفة.
#حديث_المدينة السبت 17 يناير 2026







