مقالات

كتبت د.فردوس أبومدينة (جرعة وعي ) امسكوهن بمعروف أو سرحوهن بإحسان

خرطوم سبورت

 

كتبت د.فردوس أبومدينة (جرعة وعي )
امسكوهن بمعروف أو سرحوهن بإحسان

«الزواج» في كنف الشريعة الإسلامية الغراء من أقدس العلاقات الإنسانية ولمكانته السامية وجه الله العلي القدير الزوجين إلى احترام رفعته وسمو قدره حتى في أصعب لحظات الفراق بالطلاق فكانت الوصية الإلهية بعدم نسيان الفضل مسبوقة بالوصية بالعفو وأنه أقرب للتقوى، وختم الآية بصفتين جليلتين للمولى جل شأنه، صفة العلم والبصر للترغيب في عدم إهمال الفضل، والتعريض بأن في العفو مرضاة الله تعالى، فهو يرى ذلك منا فيجازي عليه.
قال تعالى
‏وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا
وهنا ليس الفراق في ميزان القيم معركة تستباح فيها الكرامات ولا ساحة تهدر فيها العِشرة، بل مقام تمحّص فيه الأخلاق وتختبر فيه الأمانات، وتوزن به النفوس عند مفترق الطرق. فالإمساكُ بمعروفٍ عدل يقيم الميزان، والتسريح بإحسان وفاء يحفظ به الود ولو انقطع الوصل.

قال الله تعالى:
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
فجعل سبحانه وتعالى الخيارين محاطين بسياجٍ من القيم لا يَسقط فيه الحق ولا يباح فيه الأذى، ولا تدنس فيه الكرامة.

وفي هدي النبوة ميزانٌ للفراق كما هو ميزانٌ للوصال، قال صلى الله عليه وسلم
«استوصوا بالنساء خيرًا»،
فالمعروف لا ينتهي بانتهاء العقد والإحسان لا ينسخ بانقطاع العهد، لأن الأخلاق عهد مع الله قبل أن تكون عهدا مع الناس.
ثم شدد المولى عز وجل :
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾
هنا ينبغي أن لا نجعل ساعة الخصومة تهدم سنواتِ المودة .. قال أبو حاتم البستي: “الحر لا يكفر النعمة، ولا يتسخط المصيبة بل عند النعم يشكر، وعند المصائب يصبر، ومن لم يكن لقليل المعروف عنده وقع أوشك أن لا يشكر الكثير منه، والنعم لا تستجلب زيادتها، ولا تدفع الآفات عنها إلا بالشكر”.

ثم إن الفضل أعلى درجات المعاملة، لذلك يقول السعدي -رحمه الله- في تفسيره: “الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف, وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب وهو : أخذ الواجب, وإعطاء الواجب. وإما فضل وإحسان, وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق, والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة، ولو في بعض الأوقات، وخصوصا لمن بينك وبينه معاملة، أو مخالطة، فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم”.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: “ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة- ولقد هلكت قبل أن يتزوجني بثلاث سنين- لما كنت أسمعه يذكرها، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب، وإن كان ليذبح الشاة ثم يهدي في خُلتها -أي أهل صداقتها– منها

وفي حديث للحاكم والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل عجوزا بحفاوة وترحيب، فلما خرجت سألته فقال: (يا عائشة إنها كانت تأتينا زمان خديجة، وإنَّ حُسنَ العَهدِ من الإيمان).

فالفضل شاهد تاريخ، وذاكرة ميثاق، وأمانة عشرة كانت يوما سكنّا ومودة ورحمة. ومن نسي الفضل عند الفراق، فقد أضاع نفسه قبل أن يضيع غيره.

وفي الحكمة: “إذا افترق الكرام افترقوا بوفاء وإذا خاصموا، خاصموا بعفاف.”
وقالوا: “القلوب التي عرفت الود، لا يليق بها أن تسلم للضغائن.”

وقال الإمام الشافعي: “الحر من حفظ وداد لحظة”.. لكن وللأسف كثير من بيوتنا عندما يحل الفراق بعد الوفاق تجد أعراض تنتهك ، وأسرار تعلن ، ومستور يكشف ، وتهم باطلة تقذف ، وفي ثورة الغضب والانتقام يختلط الحابل بالنابل ويلتبس الحق بباطل، وكأن الزوجان ما عاشا يوما معا.. يسرا وعسرا، صحة ومرضا، فرحا وحزنا، جمعهما هدف واحد، وقضية واحدة، وعشا واحدا بل وفراشا واحداً.

كل هذا أضحى بين عشية وضحاها سرابا، فلا الزوج يذكر لزوجه حسنة، ولا الزوجة تذكر لزوجها معروفا. حتى رباط الطفولة البريئة بات أوهن من خيط العنكبوت، وشعرة معاوية كانت أبعد عن تفكيرهم ولحظات الود غيبتها نزواتهم فلا دينا أقاموه، ولا خلقا رفيعا تمثلوه.

إن الطلاق وإن كان مرا فقد يكون فيه حبل نجاة لكلا الزوجين، كما قال تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيماً}
أي إن وقعت الفرقة بين الرجل وامرأته, فإن الله تعالى يغني كلا منهما من فضله وسعته فإنه سبحانه وتعالى واسع الفضل والمنة حكيم فيما يقضي به بين عباده.

فلماذا نكران الجميل؟ ولماذا المحاكم والقضايا والتشهير في الميديا بل لماذا حتى مجرد إرضاء شهوة الانتصار للنفس؟!

إن صون العشرة عند الفراق فريضة أخلاقية قبل أن يكون حكما شرعيا فلا تستباح الأسرار، ولا تشهر العيوب، ولا تكسر الخواطر، فذلك من أبواب الظلم والظلم ظلمات. والإحسان ساعة الانكسار شهادة إيمان، ودليل رقي وبرهان نفس كبيرة لا تنتقم حين تفارق ، بل ترتقي عندما تودع .

جرعة أخيرة
احفظوا العشرة ولو انتهى الطريق وصونوا الذكرى ولو انقطع الوصل، فإن القيم لا تختبر عند البدايات، بل تعرف عند النهايات.
فالبدايات آفاق… والنهايات أخلاق.
وبس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى